بعد أن هدأ دوي المدافع وزخات الرصاص، وانجلت الغيوم الفوسفورية عن سماء حطام غزة المنكوبة، بما يمنح سكانها بعض الوقت لِلأَم الجراح والعويل على الأحباب القتلى والمفقودين، ها قد بدأ جرد الخسائر السياسية لهذه الحرب الإسرائيلية المخبولة، وإحصاء عثراتها من هذه الزاوية. فبالكاد سلمت أي من العلاقات الإقليمية داخل المنطقة وخارجها من تداعيات هذه الحرب. إحدى هذه العلاقات، تلك التي تربط بين المملكة العربية السعودية وواشنطن. ففي مقال رأي غير مسبوق، تم نشره في صحيفة "فاينانشيال تايمز" الصادرة في الثالث والعشرين من يناير المنصرم، حذر الأمير تركي الفيصل، مدير المخابرات السعودية وسفير المملكة لدى كل من أميركا والمملكة المتحدة سابقاً، من تأثر العلاقات بين بلاده وواشنطن، فيما لو عجزت إدارة أوباما عن كبح جماح دموية النظام الإسرائيلي. ومن بين الفقرات الرئيسية التي وردت في المقال ما يلي: "فإذا ما أرادت الولايات المتحدة الأميركية مواصلة دورها القيادي في الشرق الأوسط، والحفاظ على تحالفاتها الاستراتيجية، لاسيما العلاقات الخاصة التي تربط بينها والمملكة العربية السعودية، فإنه يتعين عليها أن تراجع مجمل سياساتها المتبعة إزاء كل من إسرائيل وفلسطين". ويمثل هذا البيان الصريح دليلاً على استعداد لبدء تفعيل الثقل الدبلوماسي العربي وإبراز وزنه في التعامل مع واشنطن، وهو أمر لطالما ترددت الكثير من الأنظمة العربية المعتدلة في الخطو نحوه. هذا وقد عرف عن العالم العربي عجزه عن إسماع صوته أو إشعار واشنطن بقوة نفوذه. ويعود السبب الرئيسي وراء هذا العجز إلى تقصير العالم العربي في بلورة رأي عربي مؤثر داخل الولايات المتحدة الأميركية. وعلى عكس ذلك تماماً، نجحت إسرائيل في التأثير على كافة الحكومات الأميركية التي تعاقبت خلال العقود الماضية، لا لشيء سوى تحول إسرائيل إلى قوة مؤثرة على السياسات المحلية الأميركية.
وربما بدأت التغيرات تطرأ نوعاً ما على سياسات واشنطن الخارجية. فقد أبدى الرئيس أوباما -حسبما يشير مضمون آخر خطاب له- أهمية أن تبدأ بلاده بإعادة بناء جسور جديدة للتواصل مع العالم العربي الإسلامي. وعليه يشير الواقع الحالي إلى ضرورة إسراع الحكومات العربية لاستغلال هذه الفرصة، للتعبير عن مواقفها ورؤاها لطبيعة العلاقات بينها وواشنطن، بذات القوة التي عبرت عنها المملكة العربية السعودية.
ومن بين العلاقات التي تأثرت سلباً بحرب غزة، تلك التي تربط ما بين إسرائيل وتركيا. وقد تجلى هذا التأثير على نحو واضح، في التراشق اللفظي المثير الذي حدث بين رئيس الوزراء التركي، والرئيس الإسرائيلي، أثناء اجتماعات قمة دافوس الاقتصادية العالمية التي عقدت الأسبوع الماضي. والمعروف عن تركيا وإسرائيل أنهما ظلتا دولتين حليفتين، بل حتى شريكتين استراتيجيتين. وقد بلغت بهما الشراكة حداً وضع سوريا -على سبيل المثال- أمام مواجهة خطر هجوم إسرائيلي-تركي مشترك عليها في عام 1998. لكن ومنذ التاريخ المذكور، طرأ تحسن ملحوظ على علاقات تركيا بدول العالم العربي، وخاصة مع سوريا، في حين فترت وبردت علاقاتها مع حليفتها إسرائيل.
ما فعله أردوغان بملاسنته تلك مع الرئيس الإسرائيلي، فضح المواقف الأوروبية التي أسهمت في تضييق الخناق والحصار الإسرائيلي الوحشي لسكان القطاع.
وخلال الأسبوع الجاري، ووفقاً لتصريح رئيس الوزراء التركي طيب رجب أردوغان لصحيفة "واشنطن بوست"، فقد بادرت بلاده بالقيام بدور الوساطة بين إسرائيل وسوريا، وكذلك بين باكستان وإسرائيل، إلى جانب وساطتها بين إسرائيل ومحمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية. بل قال أردوغان إن بلاده بادرت حتى بالتوسط بين إسرائيل وحركة "حماس"، بغية إطلاق الجندي الإسرائيلي الأسير لدى حركة "حماس"، جلعاد شاليط، على أن تتعهد إسرائيل من جانبها بإطلاق رئيس البرلمان وغيره من الأعضاء البرلمانيين الفلسطينيين الذين تعتقلهم في سجونها. وقال: "إن العالم لم يحترم بعد الإرادة السياسية للشعب الفلسطيني. وعليه فقد تحولت فلسطين اليوم إلى سجن كبير مفتوح". ثم مضى أردوغان في جرد الدمار الذي خلفته الحرب بقوله: هناك ما لا يقل عن 1300 قتيل، و6 آلاف من الجرحى والمصابين، ولم تعد هناك في القطاع بنية تحتية أو مبان، لأن غزة تحولت إلى حطام تام. وفوق ذلك فهي مغلقة وتحت الحصار الكلي.
|
أزال المؤلف هذا التعليق.
ردحذفالسلام عليكم
ردحذفهناك العديد الخسائر شهدناها اثناء و بعد الحرب الاسرائلية على قطاع غزة و التي ذكرتها في مقالك و لكن ما لم تذكره ان هذه الخسائر لم تكن خلال 20 يوم فقط بل منذ سنتين (حصار غزة) لان الخسائر النفسية افضع من الخسائر الجسدية او المادية او ...وهو السلاح الصهيوني الذي تعلمه اثر حربه ضد حزب الله
فالشعب الفلسطيني مناضل مرابط الى قيام الساعة و هو يعلم انه اذا ضعف ايمانه فان عدوه سيتمكن منه. لذلك لم تحقق اسرائيل اي هدف من اهدافها سوى انها كشفت بمرأتها حقيقة وضعنا كشعب عربي مسلم امام قضية تمسنا كمسلمين قبل شيء اخر.